ابن حزم
53
رسائل ابن حزم الأندلسي
وقد يكون الكندي عالج الردّ على المنانية والثنوية والملحدين في غير موضع واحد من رسائله ، فمرة وصل الكلام فيه بكتاب التوحيد ومرة أفرد له رسائل مستقلة . ولعلّ أول شيء استوقفني حين قرأت هذا الكتاب هو : هل الكتاب من تأليف ابن حزم ؟ ذلك لأن الذي نسبه لابن حزم ظن أنه كتاب في الرد على العلم الإلهي للرازي ، ولابن حزم كتاب يرد به على الرازي في العلم الإلهي ذكره كثيرا في كتاب الفصل وأشار إلى بعض ما يحتويه . ولكن هذا كتاب آخر في الرد على الكندي تليه رسائل وفصول لا تجمعها رابطة واحدة ، وليس فيه إشارة واحدة إلى ابن حزم نفسه إذ ابن حزم يصدر أقواله دائما بمثل : قال علي ، أو قال أبو محمد . ولم يرد مثل هذا مرة واحدة في الكتاب بل جاء فيه حينا ؟ ؟ : قال محمد ، وحينا قال الموحد . وإذا حسبنا أن « قال محمد » خطأ صوابه : قال ( أبو ) محمد ، وأن لفظة « أبو » قد سقطت سهوا من الناسخ لم نجد عبارة « قال الموحد » مما يستعمله ابن حزم في كتبه ، ولم يشر أحد - فيما أعلم - إلى أن لابن حزم كتابا في الرد على الكندي أو رسالة في اتفاق العدل والقدر ، ولم يشر ابن حزم نفسه إلى شيء من ذلك ، ومن عادته أن يسمي بعض كتبه في مادة واحدة ، وقد كان من الممكن أن يشير إلى هذا الكتاب في كتاب الفصل مثلا حيث عالج مسألة أسماء اللّه تعالى وصفاته وتحدث عن الدهرية وعن القدر ، إلا أن شيئا من ذلك لم يحدث . ومن هنا نشأت الحيرة وثار التساؤل : من هو مؤلف هذا الكتاب ؟ وفي محاولتي الإجابة عن هذا السؤال طرحت على نفسي سؤالا آخر وهو : هل اطلع ابن حزم على فلسفة الكندي ؟ وبعد البحث وجدت ما يؤيد وجود صلة بين بعض الأفكار عند كل منهما إلا أن ابن حزم لم يذكر الكندي - فيما أعلم - إلا في نقل واحد في كتاب الجمهرة « 1 » ؛ وهذه هي أهم مجالات الاتفاق بينهما : 1 - المصطلح المنطقي الذي استعمله ابن حزم في كتاب التقريب شديد الشبه بالمصطلح المنطقي لدى الكندي . 2 - يستعمل ابن حزم في إنكار الخلاء والملاء في كتاب الفصل وكتاب التقريب نفس البرهان الذي يورده الكندي .
--> ( 1 ) الجمهرة : 109 .